9993

الفخر بالوطن

إن المواقف الوطنية النبيلة هي التي تجعل المواطن يفتخر بوطنه، وتُورق لديه مقومات السلوك القيمي الحضاري المنتمي له، إذا سُقي بالكرامة، وأيقن أن ترابه لا مثيل له، هذه الكرامة لا تأتي جزافاً بل لا بد من معايشتها بدءًا من المنزل والمدرسة والحي والمدينة وانتهاء إلى بلاده التي تعني له هويته.
كيف تتمثل له هذه الهوية؟ كيف تتمثل لآلاف العاطلين عن العمل؟ كيف تتمثل لمن يؤمن بأن الواسطة أهم من التعليم؟ ـ كما جاء في أطروحتي للدكتوراه حول الهوية الثقافية، هذه مواضيع مهمة، وحلها قد يستغرق وقتًا طويلاً على الأرجح.
لكني سأقوم بطرح نموذجين أؤمن شخصيًّا بجدواهما، الأول نستطيع عمله، في الوقت الحالي، وغير مكلفٍ إلى حدٍّ ما، والثاني نستطيع تحقيقه على المدى البعيد، وهو يستحق التكلفة العالية بالتأكيد، وإن كان هذان النموذجان لا ارتباط في الظاهر بينهما، إلا أنهما يُشكلان نسيجا متماسكا يؤطر حُب الوطن والفخر بالانتماء إليه، وعندما يتعزز هذا الحب، يرى أنه مؤتمن عليه، بلا شك.
الأول: الاستفادة من الحدائق المتواجدة في كل حي، أو حول المسجد، بعمل مشاريع اجتماعية نشطة تتكون من جميع طبقات المجتمع، منها إنشاء نشاط أسبوعي للأعمال: الثقافية، الحرفية، الفنية، التطوعية، الترفيهية، المسابقات التي تؤكد على القيم، وهناك لعبة عالمية هدفها زرع القيم في نفوس النشء، فالمدارس لا تستطيع أن تعمل وحدها، كما أن الأُسر أيضًا تُكمل ما تراه حولها من بيئة نشطة.
هذا التفاعل النشط يُذيب الطبقية، ويجعل القيم التي أشبه ما تكون بنصوص على الورق، يتعايش معها الطفل والمراهق، المرأة والرجل، يشعر المواطن أن هناك مَن يهتم به، يرعاه؛ لأنه مهم، هذه الأهمية تصقل الانتماء للوطن، المجتمع هو مادة هذا الوطن، يعرف من خلال ذلك واجباته وما له من حقوق.
الثاني: تحقيق انتصارات عالمية في ميدان الرياضة، وهناك دراسات تبين أن الرياضة تؤدي إلى زيادة الانتماء للوطن، بل لقد قامت حرب في عام 1970م في تصفيات بطولة كأس العالم لكرة القدم، بين هندوراس والسلفادور، ودعم الفريق دعم للهوية الوطنية، وتعد الرياضة من أقوى العلاقات التي تقوي الانتماء للوطن، في حال تمثيلها البلد في مسابقات دولية، بل إن هناك من يعطي الموهوبين الجنسية الوطنية بغية جذبهم لتمثيل وطنهم. كما أن الدعم على مستوى الوطن للرياضة يقلص من النزاع القبلي والطبقي والفكري والمذهبي، ويوغسلافيا مثال على ذلك، فهي مختلفة الأعراق إلا أن انتماء مواطنيها لفريق بلدهم أقوى من انتمائهم للاختلاف الذي بينهم.
يذكر أستاذ الاجتماع الروسي بوروسياك في مقاله (البحث عن الهوية الوطنية): “العلاقة بين كرة القدم وتحفيز حب الوطن أن روسيا لم تشهد اهتماماً بالرياضة كما في عام 2008 خلال بطولة الأمم الأوروبية، حيث خرج مئات الآلاف من الشباب إلى الشوارع؛ احتفالاً بحب الوطن حيث كانت وجوه المشجعين مطلية بالألوان الوطنية، ويصبح لكرة القدم فكرة وطنية، ورمز للوحدة الوطنية لجميع البلدان المشاركة. النصر يصبح دليلاً على قيمة الأمة، والعلم، والهوية الوطنية.
 ويذكر أنه بعد سلسلة من الهزائم في بداية عام 2000 بدأ الناس بالشعور بالحاجة لفكرة الوطنية بإعادة تحقيق إنجازات جديدة في الرياضة، تم تحقيق نتائج ممتازة، والفوز مرة أخرى، يحلل ذلك بتأكيده أن الانتصارات الرياضية تَشفي المجتمعات، نحن أقوياء، نحن نكسب، وهذا أصبح أحد الأُسس لحب الوطن.
إن مشروع الاهتمام بالرياضة لتحقيق هدف الانتصارات العالمية، يبدأ كما هو معروف في الدول التي نجحت في تحقيق ذلك، من الناشئة ورعايتهم، وتوفير الاهتمام الممتدَّ عبر مستوى المجتمع برمته، لنجعل شباب المملكة يثق بقدراته، لا يجلس خلف الأضواء، بل قد يرفع العلم الأخضر يوما ما، أمام العالم، (نحن أقوياء، نحن نكسب) لتحقيق حلم يتمناه بحرقة، كل الشعب السعودي.
د. منى البليهد