Madina1

المسجد وأثره في بناء منظومة القيم الأخلاقية والسلوكية

* المساجد والجوامع دورها عظيم في حياة الأمة المسلمة، من إقامة للصلاة وذكر لله واجتماع المسلمين وتعاونهم على البر والتقوى
* المسجد مكان لذكر الله والذكر يدخل إلى قلب المسلم الطمأنينة والسكينة، ويبعد عنه شبح الخوف والقلق والحزن
* العلوم والدروس في المساجد لها أثرُها الإيجابي في تقويم حياة الناس وتنظيمها نحو الجدّ والاجتهاد والعمل، وهو سبب لنزول الرحمة والسداد على الناس
* في المسجد تتلاشى الفوارق الطبقية، بين الغني والفقير، وبين الأبيض والأسود، وبين الرئيس والمرؤوس، فالجميع سواسية
للمساجد مكانة عظيمة عند الله، فهي أحب البقاع إليه جلَّ وعلا، وقد ربط الله تعالى بين بناء المساجد والإيمان به جلّ وعلا واليوم الآخر، وتزكية القائمين على ذلك والثناء عليهم، فقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[سورة التوبة: 18].
وبالمقابل، توعَّد المانعين والصادّين عن المساجد بالعذاب العظيم يوم القيامة فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة البقرة، 114].
لذا، كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد.
وللمساجد والجوامع دور كبير في حياة الأمة المسلمة في الجوانب المختلفة، من إقامة للصلاة وذكر لله واجتماع المسلمين وتعاونهم على البر والتقوى، ونهل العلوم والمعارف ونحوها.
ونشير في هذا المقام إلى مجال واحد من تلك المجالات، وهو ترسيخ القيم الأخلاقية لدى المسلمين وتحسين سلوكهم وتقويم ممارساتهم ومعاملاتهم فيما بينهم، في المعالم الآتية:
أولاً: إن المسجد هو المكان الذي تقام فيه الصلاة جماعة خمس مرات في اليوم والليلة، فيُقبل إليه العبد استجابة لنداء ربّه سبحانه وتعالى إلى النجاة والفلاح، تاركًا وراءه الدنيا ومشاغلها، وهذه الحالة التعبُّدية المستمرَّة تزكي النفس وتمنعها من الوقوع في المعاصي، قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [سورة العنكبوت : 45].
ثانيًا: إضافة إلى إقامة الصلوات، فإن المساجد والجوامع أمكنة لذكر الله تعالى، من قراءة القرآن والدعاء والاستغفار ونحوها، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [سورة النور : 36-37]، وللذكر أثر كبير على أخلاق العبد وسلوكه، حيث يدخل إلى قلبه الطمأنينة والسكينة، ويبعد عنه شبح الخوف والقلق والحزن؛ لقوله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [سورة الرعد: 28].
ثالثًا: تعدّ المساجد منهلاً من مناهل العلم والمعرفة، فقد كانت المساجد عند السلف بمثابة الجامعات في الوقت الحالي، بجميع التخصصات والمجالات، فلم تقتصر على العلوم الشرعية فحسب، وهذا الدور له أثر إيجابي كبير في تقويم حياة الناس وتنظيمها نحو الجدّ والاجتهاد والعمل، وهو سبب لنزول الرحمة والسداد على الناس، قال النبي – عليه الصلاة والسلام – : “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده” أخرجه مسلم.
وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخصص للصحابة أوقاتًا في المسجد لتعليمهم أمور الدين، كما خصص أوقاتًا للنساء أيضًا، حيث قالت إحداهن: ” غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن ” أخرجه البخاري.
رابعًا: إن اجتماع أهل الحيِّ باليوم خمس مرَّات في المسجد، واجتماع أهل مجموعة من الأحياء في الأسبوع مرة لصلاة الجمعة، يساعد في اكتساب الصفات المحمودة والأخلاق الرفيعة من بعضهم البعض، حيث يعمُّ السلام والوئام بين الجميع، وتزول الضغائن والأحقاد بينهم، وهذا له أثر كبير على سلوكهم وأخلاقهم خارج المسجد، وخاصة الصغار والناشئة الذين يحتاجون إلى رؤية نماذج حية من القيم والأخلاق والسلوك الحسن، لذا كانت هناك مجموعة من الآداب لدخول المساجد والمكوث فيها، كالسكينة وعدم رفع الصوت، وعدم اللعب أو الضحك ونحوها.
خامسًا: إن إمام المسجد يلتقي بأهل الحي في اليوم والليلة خمس مرات، ويختلط معهم، ويتفقد مشكلاتهم وأحوالهم، ويتجاوب معهم، وينصحهم ويرشدهم إلى سبل الخير، وإذا رأى منهم اعوجاجًا يقوّمه، وهذا كان ديدن النبي – صلى الله عليه وسلم – مع صحابته رضوان الله عليهم، ومن أعظم ما يوجه فيه الإمام ما يتعلق بالأخلاق والقيم.
سادسًا: لخطبة الجمعة كل أسبوع دور كبير في تعريف الناس بدينهم وتوعيتهم بواقعهم والمشكلات والنوازل التي تحل بهم، وكيفية التعامل معها، من حيث الوقاية والعلاج، وحثهم على العبادات والطاعات، وتحذيرهم من المعاصي والمنكرات، وغير ذلك من التوجيه والإرشاد، مما له أثر على محاسبة النفس بشكل دائم وبالتالي تقويم السلوك وتهذيب الأخلاق.
سابعًا: للدروس والمحاضرات التي تقام في المساجد والجوامع أثر كبير في إحياء الأخلاق الحميدة والقيم الفاضلة في نفوس الناس، وخاصة حين تكون من أهل العلم والدراية والاختصاص.
ثامنًا: للمسجد دور في تعاون أهل الحي فيما بينهم، ومشاركة بعضهم للبعض في الأفراح والأتراح، وتفقد أحوال الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم، وغيرها من الأعمال الصالحة، وقد كانت للمسجد رسالة كبيرة في هذا الباب في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم-، مع أهل الصُّفة، في التصدق عليهم وإطعامهم وكسوتهم، وقد نزل فيهم القرآن الكريم، قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [سورة البقرة: 273].
تاسعًا: في المسجد تتلاشى الفوارقُ الطبقيَّة، بين الغني والفقير، وبين الأبيض والأسود، وبين الرئيس والمرؤوس، فالجميع سواسية، يقفون بين الله تعالى جنبًا إلى جنب، وفي صفٍّ واحد، ويتوجَّهون إلى قِبلة واحدة، ويصلون خلف إمام واحد؛ مما يولِّد لدى كل المصلين شعورًا بأن المال والجاه والسلطان لا قيمة لها عند الله تعالى، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.
هكذا يبني المسجدُ الأخلاقَ، وينمِّي السلوك، ويُشيع القيم الفاضلة، فما أعظم تشريع الله لنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: أ.د. فالح بن محمد بن فالح الصغير.