Saudi23

قيم الانتماء والولاء للوطن .. السلوك أولاً

يتم ترديد مصطلح أو مفهوم (الولاء والانتماء للوطن) كثيرا في كافة المحافل السياسية والثقافية والتربوية، باعتباره ركيزة من ركائز القيم الوطنية التي أضحت من الضرورات الأساسية في عالمنا المعاصر، نظراً لما تتضمنه من معانٍ ودلالات عظيمة تمثل أساساً للفطرة السليمة التي بنظر إليها بكثير من الاحترام والتقدير.
إن الانتماء للشريعة الإسلامية يُمثل أسمى صور الانتماء؛ فالامتثال لتعاليمها، والالتزام بأحكامها، والتطبيق لأوامرها ونواهيها، ثم الاعتزاز بذلك، والتفاعل مع قضاياها، والسعي في تحقيق المصالح التي تأمر بها، ودفْع المضار التي تَنهى عنها تعد من أعلى صور الانتماء.
إن انتماء الإنسان إلى وطنه هو انتماء يشمل كل الأمور التي تخصه، فالوطن ليس حيزًا جغرافيًّا نعيش به فحسب، بل أكبر من ذلك بكثير، وكلمة وطن أشمل وأعمُّ من ذلك بكثير؛ فالوطن هو تاريخ المرء، وجذوره، وأسلافه، ومخزونه الثقافي، وكل ما يَمُتُّ إليه بصلة، فليس هناك تعارُض أو تناقض بين الانتماء إلى الوطن والانتماء إلى الدين في الرؤية الإسلامية؛ لأن الانتماء الوطني منبعه من الانتماء الديني، ويستمد قواعده من الشريعة وأساسها، وعليه فإن الانتماء للوطن انتماء وولاء بحكم الشرع أولاً، ثم بحكم الفطرة وسنن الله في الخلق، فالوطن جزءٌ من كِيان الأمة الإسلامية ومحبته والولاء له والانتماء إليه، مما تقتضيه الضرورة وتدعو إليه الفطرة وتعاليم الشريعة.
إن مفاهيم الانتماء والولاء للوطن يكتسبها الإنسان من تلقاء ذاته، ولا تُملى عليه، إلا أن الضرورة تحتم غرسها وتعزيزها في نفس كل مواطن ليمارس حقوقه المشروعة، متحلياً بأخلاقيات المواطنة والسلوكيات السليمة. فمثلا انتساب الولد إلى أبيه هو انتماء واعتزازه به، ومفهوم الانتماء الوطني وراثي يولد مع الفرد من خلال ارتباطه بوالديه وبالأرض، وهو مكتسب بحكم الواقع، حيث ينمو ويترعرع وينشأ منذ نعومة أظافره ويرتبط بالوطن من خلال مؤسسات المجتمع المتمثلة في المسجد والمدرسة والأسرة وما يحيط به من عوامل طبيعية وصناعية.
الانتماء للوطن والولاء له من القيم السامية النبيلة، ومن أبرز مظاهر القيم الوطنية التي يراد تعزيزها، ولقد تناول المهتمون في مضامين هذا الولاء والانتماء للوطن بالكتابة عن الانتماء وتحديده بشحنة وجدانية كامنة يمكن تحديدها من خلال مجموعة من الممارسات السلوكية الصادرة عن الفرد، بحيث تكون تلك الممارسات معبرة عن موقف الفرد ورؤيته تجاه ما يحدث من مواقف في مجتمعه. ولقد ظهرت الكثير من مضامين الانتماء الوطني الجيدة من خلال الشحنات الوجدانية الإيجابية لدى المواطنين كحربنا على الارهاب مثلا.
كما يُعد الانتماء الوطني حاجة ضرورية وهامة تشعر الفرد بالروابط المشتركة بينه وافراد مجتمعه، وتقوية شعوره بالانتماء للوطن وتوجيهه توجيهاً يجعله يفتخر بالانتماء ويتفانى في حب وطنه ويضحي من أجله، كما أن مشاركة الانسان في بناء وطنه تشعره بجمال الوطن وبقيمة الفرد في مجتمعه وينمي لدى الفرد مفهوم الحقوق والواجبات.
ومن مضامين الانتماء والولاء قيمة الاعتزاز والفخر بالانتساب لهذا الوطن ولجميع مؤسساته المدنية والأمنية، والعمل الجاد لتحقيق المصلحة العامة لأبناء هذا الوطن. وتعد طاعة ولي الأمر والتفاعل معه والالتفاف حوله جزءاً مهماً لتحقيق الانتماء الوطني لتماسك المجتمع ونجاحه في بلوغ أمنه ونجاح خطط التنمية وتحقيق رفاهيته، خاصة أنه يعمل على خدمة الوطن والمواطن على حدٍ سواء، ويحرص على راحته ويعمل على تطوير مجتمعه مع المحافظة على قيمه وعاداته وتقاليده التي تربى عليها.
كما أن من قيم الانتماء والولاء للوطن؛ العمل على إبراز قيمة الوحدة الوطنية وجعلها هدفا على الجميع تحقيقه والمحافظة عليه، وأن الوحدة الوطنية هي من مسلمات وطننا التي نعمل على تقويتها والحفاظ عليها، وهي من مكتسبات هذا الوطن وهي جزء من تفوقه على الكثير من المجتمعات الأخرى.
إن الحفاظ على الأمن الوطني مظهر مهمٌ من مظاهر الانتماء الوطني للفرد والمجتمع، فالمواطن يعيش على أرض هذا الوطن ويعمل على الحفاظ على أمنه الفكري والاجتماعي والاقتصادي. ولا ننسى الحرب على المخدرات وكشف الكثير من أوكارها ومخططيها، وارتياح المجتمع بأسره من الحرص على المحافظة على الأمن إلى الحد الذي يشعر فيه المواطن أنه يعيش آمناً مستقراً مطمئناً على نفسه وأسرته وماله .
إن المؤسسات التربوية تؤدي دوراً محورياً إلى جانب القطاعات الحيوية الأخرى في ترسيخ معاني الانتماء والولاء الوطني لدى النشء والشباب، والقائمة على تقوية الأواصر الأخوية ومواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وتحرير الأجيال من العصبيات المذهبية والحزبية والطائفية والمناطقية، وتدعيم قيم الإسلام والسلام والمحبة، وصولا إلى خارطة حضارية واحدة للوطن الواحد الذي يظل أكبر من أي انتماءات وولاءات ضيقة.
وعليه أصبح من الضرورة بمكان تعزيز مفاهيم الانتماء والمواطنة في نفوس التلاميذ وتنشئتهم على القيم الدينية والأخلاقية والثوابت الوطنية، ابتداء من إعادة النظر في تحويل مناهجنا الوطنية إلى سلوك يومي يعزّز من جانب الوعي بالمسؤولية الاجتماعية، عبر سلوكيات تكتسب من خلال ممارسة الأنشطة الدراسية الصفية واللا صفية، والممارسات اليومية داخل المدرسة وخارجها، والتي تدار وفق رؤية تربوية تنطلق من احترام الهوية والحفاظ على الثوابت الوطنية والولاء الكامل للوطن، ونبذ العنف والتعصب، إلى جانب تعليم النشء والشباب أساليب وطرق التعبير عن الرأي و احترام وتقبل الرأي الآخر.
كما يجب عدم إغفال الدور الذي تنهض به الأسرة في غرس السلوكيات السليمة في نفوس أفرادها، وتنمية شعورهم بالفخر والاعتزاز لانتمائهم وتوسيع دائرة الانتماء لتشمل كل جزء من الوطن. وكذلك الإعلام الذي يعد وسيلة رئيسية وفاعلة تسهم في غرس المفاهيم السليمة عن طريق البرامج الهادفة التي تصب في خانة الولاء والانتماء للوطن، الذي يدرك حاجته إلى هذا الجيل الذي يعي حقوقه ومتطلباته وتطلعاته في الاستقرار والوحدة والتنمية والنهوض الحضاري الشامل.
إن التربية الوطنية مسؤولية تضامنية بين كافة فئات وشرائح المجتمع من الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام المختلفة، فهي جزء من مهمة ورسالة عظيمة لا تكتمل عناصرها إلا بتعاون وتضافر الجهود في مختلف القطاعات، بهدف تعزيز وتنمية ارتباط المواطن ومشاركته الإيجابية في تنمية المجتمع وبناء الوطن الذي لا يقبل بوجود التخلف النفسي أو الذهني في نفوس أبنائه.
بقي القول إن الانتماء يبدأ تصاعديًّا بانتماء الإنسان لنفسه، من خلال سعيه لأن يكون الأفضل؛ بتنمية مهاراته وقدراته، وإثبات نجاحه وتفوُّقه، باعتبار أن هذا النجاح والتفوق وسيلة مثلى للتواصل مع غيره، وإذكاء روح المنافسة الإيجابية، ثم بالانتماء إلى أسرته (وطنه الصغير)، من خلال الترابط العائلي وتنمية روح المشاركة بودٍّ وحب وتآلُفٍ وتناغم، وبداية الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ثم بالانتماء إلى المجتمع الصغير وهو المدرسة والجامعة للطالب والطالبة، والوظيفة والعمل حتى يتخطَّى تلك المرحلة، ويظهر ملمح هذا الانتماء جليًّا في الإحساس بالفخر لانتمائك إلى مدرسة كذا أو جامعة كذا، أو العمل في شركة ما، والدفاع عن هذا الكِيان الذي ينتسب إليه، وعدم قَبول أي مساسٍ به، فأي انتقاص من قدره يعده انتقاصًا لقدره وقيمته الذاتية، ثم بالانتماء للوطن الكبير، وهو الذي يفرز حبًّا فيَّاضًا للوطن. فمهما تكررت العبارات والمقالات عن الانتماء لوطننا ومهما حفظناها، فلن يكون لها أي تأثير طالما افتقدت السلوك المعبر عن الايمان بها.
 
* إعلامي متخصص في شؤون المستهلك
   عبدالعزيز بن صالح الخضيري